amin
اهلاً ومرحباً بكم فى منتداكم ونتمنى ان نكون عند حسن ظنكم


رياضى ، ثقافي ، اجتماعى
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تابع الامام احمد بن حنبل

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
امين عبدة

avatar

عدد المساهمات : 205
تاريخ التسجيل : 20/09/2011
العمر : 34

مُساهمةموضوع: تابع الامام احمد بن حنبل   السبت نوفمبر 19, 2011 9:26 pm

كل أنواع المعاملات مباح إلا ما يحظره نص أو القياس على نص، وكل العقود واجبة الوفاء إلا إذا قام دليل شرعي على المنع. وكل ما احتاج إليه الناس في معايشهم ولم يكن سببه معصية لم يحرم عليهم، لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد. ولا يشترط لانعقاد العقد أي شكل أو صيغة بل ينعقد بالنية والإفصاح عنها. وبعض العقود لا يثبت إلا بالكتابة. وقد ينعقد العقد بممارسة الفعل أو بما يقتضيه العرف. كالعقد مع صاحب الخان (الفندق) أو صاحب الحمام، ينعقد بدخول المكان ورضا صاحبه. وأكثر تصرفات التجارة قائم على العرف. ولكن النية والقبول يجب ألا يعيب أيهما شيء، فأساس المعاملات الرضا، وكل ما يشوب الرضا يفسد التعاقد، إكراها كان أم خديعة أم غشا أم تدليسا أم غبنا.
وقد حدث في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن تزوج شيخ كبير يخضب بالسواد بفتاة شابة حسناء وبعد حين ظهر البياض على شعر الزوج ولحيته، فكرهته العروس وقالت إنها خدعت بشبابه .. وما هو بشاب. وشكاه أهلها إلى عمر قائلين: "حسبناه شابا". فضربه عمر ضربا موجعا وقال له. "غررت بالقوم". وفرق بينهما.
ـ الغاية ترتبط بالوسيلة المؤدية إليها، وترتبط المقدمة بالنتيجة، فما هو سبيل إلى المباح مباح، وما هو وسيلة إلى المحظور محظور، وإذا فسدت إحداهما فسدت الأخرى، فإثبات الحق مباح بل هو مطلوب، على ألا تكون الوسيلة محظورة كشهادة الزور.

وتستثني من القاعدة حالات الضرورة أو الحاجة .. فيجوز للطبيب الإطلاع على عورة المريضة لعلاجها وإنقاذ حياتها.
ـ من الواجب توفير كل ما فيه صلاح الناس، وفتح الطريق للتوبة وإصلاح ذات البين وصيانة كيان الأسرة.
وروى أحمد: "جاءت إلى علي بن أبي طالب" امرأة فقالت: "إن زوجي وقع على جارتي بغير أمري". فقال للرجل: "ما تقول؟". قال: ما وقعت عليها إلا بأمرها. فقال: "إن كنت صادقة رجمته (بالزنا) وإن كنت كاذبة جلدتك الحد (للقذف). "وإقيمت الصلاة فقام أمير المؤمنين علي يصلي وفكرت المرأة فلم تر لها فرجا في أن يرجم زوجها، ولا في أن تجلد فولت هاربة ولم يسأل عنها أمير المؤمنين".

وقد قيل للإمام أحمد "فلان يشرب". فقال: "هو أعلمكم شرب أم لم يشرب". وقال عن جماعة من العلماء يشربون النبيذ: "تلك سقطاتهم لكنها لا تذهب حسناتهم".

على القادر أن ينفق على كل ذوي الأرحام الفقراء قربوا منه أو بعدوا. وعلى الموسرين من المسلمين أن يخرجوا من أموالهم إلى بيت المال صدقات، حتى لا يكون في أرض الإسلام صاحب حاجة مسلما كان أم غير مسلم.
ـ يجب على كل مسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا أمر لا تختص به جماعة منهم، بل هو فرض على الجميع، ويجب اتباع الحسنى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فكما جاء في الحديث الشريف: "كل من رأي سيئة فسكت عليها فهو شريك في تلك السيئة". على أن يكون النصح يقول التي هي أحسن. والمسلمون مطالبون شرعا إذا كلم بعضهم بعضا بأن يقولوا التي هي أحسن "فرب حرب أهاجها قبيح الكلام". فإن لم يتحدثوا بالحسن من القول، وقعوا في المعصية بمخالفتهم قوله تعالى: "قل لعبادي يقولوا التي هي احسن. إن الشيطان ينزع بينهم".
بهذا الفقه خالف الإمام أحمد في كثير من المسائل كل من سبقه من الأئمة وبصفة خاصة الإمامين أبا حنيفة ومالك بن أنس .. ولكنه كان أكثر اقتداء بالشافعي في مذهبه المصري الذي تأثر فيه بالإمام الليث بن سعد. على أن الإمام أحمد اختلف مع الشافعي اختلافا كاملا في الأخذ بالاستحسان وفي شروط العقود، فقد وقع لأحمد من الحديث والآثار ما لم يقع للشافعي، وقد صح نظر الشافعي حين قال لأحمد هو ومن معه من أهل الحديث: "أنتم أعلم بالحديث والأخبار مني فإن كان صحيحا فأعلموني".

سار الإمام أحمد في أكثر اجتهاده على طريق الإمام الشافعي، حتى لقد رفض الإمام الطبري اعتبار ابن حنبل فقيها أو مجتهدا، وعده متبعا وراوية للحديث ومقلدا! .. وقد خوطب الإمام أحمد في التزامه طريق الشافعي فقال: "لم نكن نعرف الخصوص ولا العموم حتى ورد الشافعي، وكان الفقه قفلا ففتحه الشافعي. وهو فيلسوف في أربع في اللغة واختلاف الناس والمعاني والفقه".

تابع الإمام أحمد طريقه: فهو يجيب على المسائل، ويعلم التفسير والحديث، ويرجع ما جمع من الأحاديث ويراجع ما جمع من الأحاديث، وفي مراجعاته لما حفظ وجمع من أحاديث، حذف كل ما حفظه عن عالم ذي مكانة من أهل الحديث، لأنه شتم معاوية بن أبي سفيان وأرسل إليه أحمد بذلك .. فعجب المحدث لأنه يعرف أن أحمد بن حنبل يرى معاوية من أهل البغي امتحن ببغيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه!!

إن أحمد وصاحبه حفظا الأحاديث معا من شيخهما عبد الرازق في اليمن، ولقد سمعاه معا يشتم أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه .. وعثمان افضل من معاوية!! .. وإذن فما ينبغي لابن حنبل، أن يروي الأحاديث الكثار التي حفظها عن شيخهما عبد الرازق! أرس المحدث إلى صاحبه أحمد يذكره بذلك لكه! ..

فلم يشأ الإمام أحمد أن يحاور صاحبه، فقد شغله فقهه، واستنفره غلبة أصحاب الكلام على قصر الخليفة وعلى الحياة الفكرية، فشدد النكير عليهم، وشرع يهاجمهم في حلقاته العامة بالمسجد، وأخذ يحذر منهم طلابه ومريدي حلقته قائلا: "لا نكاد نرى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه رغل (أي فساد)". ولم يتهيب أصحاب الكلام هجوم أحمد، بل مضوا يحاجون في القضية التي كانت تضنيهم منذ زمن بعيد وهي قضية خلق القرآن.

والقضية ليست بنت العصر .. ولكن أصحاب الكلام من المعتزلة أثاروها من قبل في عصر بني أمية، وأصابهم منها عنت شديد وعذاب عظيم! فقد بدأ المعتزلة في حكم هشام بن عبد الملك يتكلمون في حرية الاختيار وفي البيعة والشورى، فهزموا أركان السلطان! ..

ثم تكلموا في خلق القرآن. فانتهز الحاكمون الفرصة، واتهموا أصحاب هذا الرأي بالكفر .. ولم يجادلوهم في غيره من الآراء. وقبضت الدولة على أول من قال بهذا الرأي وهو "الجعد بن درهم". فحبس وعذب في فجر عيد الأضحى .. وخطب والي العراق في الناس العيد وقال في آخر خطبته: "انصرفوا وضحوا تقبل الله منكم، فإني أريد أن أضحي اليوم بالجعد ابن درهم". ونزل من على المنبر فذبح الجعد كما تذبح الأضحية!!

ثم إن حكام بني أمية طاردوا المعتزلة والمتكلمين بتهمة الكفر، وأثاروا عليهم العامة، حتى جاء وقت لم يستطع فيه مفكر منهم أن يجهر بفكره .. ولكن هذا الفكر استعرونما تحت المطاردة والاستبداد، كما عاش وميض نار الثورة على بني أمية تحت الرماد، حتى أصبح له ضرام، وقوده جثث وهام! ..

وإذ سقطت دولة بني أمية وخلفها بنو العباس، ظهر المعتزلة بفكرهم واهتموا أكثر ما اهتموا بالقضية التي ذبح أول من أثارها والتي لاقوا النكال في سبيلها وهي قضية خلق القرآن!. وكان بوسع الإمام أحمد أن يشهر بهؤلاء، فقد دعي إلى عشاء عند أحدهم ووجد في داره كثيرا من الفقهاء يشربون وقد بلغ بهم السكر مبلغه .. وأمامهم ترقص الإماء ويغنين عاريات، فخرج أحمد من المكان، وعندما سئل من غده عما رأى لم يقل شيئا، وقيل له أن مخالفيه كانوا سكارى، لم ينطق ذلك أنه وهب نفسه للعلم ونأى بنفسه عن السياسة، وأخذ الخصوم بعوراتهم!

ولكنه ما كان يستطيع أن يبعد .. فالسياسة هي فن الحياة وهي "ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي. وعلوم الدين ترسم ملامح المجتمع الذي أراده الشارع الحكيم بما نفهمه من روح النصوص. فسر الإمام أحمد قوله تعالى في سورة النور: "وأتوهم من مال الله الذي أتاكم" بقوله تعالى في سورة الحديد: "آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، فالذين آمنوا منكم وأنفقوا له أجر كبير".

فالأغنياء مستخلفون فيما يملكون ولا ينبغي أن يقول الواحد منهم "هذا ملكي" بل عليه أن يقول: "هذا ملك الله عندي" .. وإذن فللمال وظيفة اجتماعية ، وإنفاق المال للصالح العام واجب شرعي، جعله الله جزاء من الإيمان .. من أجل ذلك حرم الله الربا، واعتبر المرابين كفارا، وحرم الرشوة: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون، وحرم كل أنواع الكسب بلا عمل، وحرم الوساطة في التجارة والصفقات (أي السمسرة). أو العمولة بلغة العصر!

ثم إن الإمام أحمد أخذ يعلم الآلاف الذين يرتادون حلقته أن الذين يستغلون مواقعهم ليكسبوا بغير الحق لهم الويل كل الويل وكان أنذرهم بذلك من قبل، فرفضوا قوله لأنهم حبسوه من اجتهاده، ولكنه روى حديثا صحيحا قوي الإسناد محقق الثبوت..: "أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه أحد الولاة فقسم ما جمع من مال قسمين ثم قال للنبي عليه الصلاة والسلام: هذا لكم وهذا أهدي إلى فغضب النبي وقال يخطب في الناس (أما بعد... فإني استعمل رجالا منكم على أمور مما ولاني الله فيأتي أحدكم فيقول: هذا لكم وهذه أهديت إلى. فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيهدي إليه أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد فيه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر، وكان أبو ذر الغفاري حاضرا فقال للرجل: لا تحزن. إن الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يسعى من لا يقين له. اذهب اعتذر للنبي صلى الله عليه وسلم.

وروى أحمد عن السلف الصالح أن عمر بن الخطاب خصص أرضا إلى جوار المدينة، جعل كلأها لماشية الفقراء وحرمها على أنعام الأغنياء وقال: "إن تهلك ماشية الغني يرجع إلى ماله وإن تهلك ماشية الفقير يأتني بأولاده متضورا طالبا الذهب والفضة، فبذل العشب اليوم أيسر علي من بذل الذهب والفضة يومئذ". ثم أخرج الإمام الأحاديث الشريفة التي تأثم الاحتفاظ بالمال وفي الأمة فقيرا.

وتحرز في رواية آثار علي بن أبي طالب التي تحكي عن جهاده في إعادة توزيع ثروة الأمة، وأخذ ما فاض عن حاجة الأغنياء ورده على الفقراء .. تحرز الإمام أحمد في ضرب الأمثال بسيرة علي بن أبي طالب عندما كان أميرا للمؤمنين، وفي اختياره لدار الخلافة بيتا في الكوفة هو من أدنى بيوت الفقراء، ليضرب الأمثال لأولياء الأمر في عصره ومن بعده .. تحرج الإمام أحمد من الحديث عن سيرة الإمام علي لكيلا يجدوا عليه سبيلا فيتهموا أحمد ابن حنبل شيخ أهل السنة بأنه شيعي .. ويثور عليه أمراء البيت العباسي الحاكم!..

وعلى الرغم من تحرزه، أوغرت فتاواه وآراؤه صدور هؤلاء الحكام .. وتربصوا به، وزعموا أنه بما يفسر من آيات، وبما يخرج من أحاديث، وبما يرى من آثار الصحابة، إنما يثير الفقراء ضد الأغنياء، ويهين الصوفية ويحرض العامة على الخاصة!!. وأغروا به بعض المنافقين ليجرحوه! .. ولكنهم ما كانوا لينالوا منه .. فقد عرف الناس من هو الإمام أحمد!! .. وما يزال في أعماق أحمد جراح من قصة الفتاة التي كانت تبحث عن القوت في مزبلة قومها، وعلى مقربة منها ينثر الدر والذهب لتمشي عليه المحظيات .. وعلماء يمجدون الفقر ويدعون إليه الأمة!!

ثم جاء عصر المأمون..

وقد استولى المأمون على الحكم بعد معركة مريرة مع أخيه الأمين. ذلك أن الرشيد استخلف ابنه الأمين، وهو ابنه من زوجته العباسية بنت عمه زبيدة، وأوصى بولاية العهد من بعد الأمين للمأمون، وهو ابن الرشيد من جارية فارسية. ولم يكد الأمين يتولى الخلافة، حتى عزل أخاه المأمون من ولاية العهد مستنهضا التعصب العربي ضد الموالي ومنهم الفرس. وأيد الأمين في هذا عدد من فقهاء بغداد من أهل السنة .. إلا أحمد ابن حنبل شيخ أهل السنة، فقد كان لا يعني بغير العلم!

وخرج المأمون على أخيه الأمين بالسيف، وغلبه، وقتل الأمين، وأصبح المأمون هو أمير المؤمنين. وكان الأمين والمأمون على طرفي نقيض: فالأمين يعتمد على نسبه الهاشمي أبا وأما، فحسبه هذا النسب!. أما المأمون فقد عرف أنه يجب أن يعتز بنفسه لا بنسبه، ومن أجل ذلك حرص على أن يتعلم ويتثقف، وقد كان معلمه يضربه وهو صغير فلا يشكو، على نقيض الأمين الذي كان مدللا من معلمه ومن الحاشية، لاحظ له من الثقافة، ولا هم له إلا التوفر على المتاع الذي تقدمه له حاشيته! ..

كان المأمون واسع الثقافة، يولع بالفقه وآداب اللغة والفلسفة وعلوم الطبيعة والطب والفلك والرياضيات .. ويدرس معطيات كل الثقافات .. فشجع على نقلها إلى العربية عندما أصبح خليفة..

ونظر المأمون في أمر الدولة فوجد أن الصراع يكاد يمزقها: صراع بين العلويين والعباسيين، وبين أصحاب الفرق من أهل السنة، وأهل الرأي، والمعتزلة وغيرهم من الفرق .. ووجد أن بعض أفراد أهل البيت المالك يشتطون في ظلم الرعية مهددين كل شيء، فيعشق أحد كبارهم امرأة حسناء متزوجة، ويحاول، تطليقها وحين يرفض زوجها أن يطلقها، يرسل الهاشمي الكبير من يخفونها من زوجها عنوة، ويغتصبونها قبل أن يهدوها إليه!

ويعجب رجل آخر منهم بغلام مليح فيخطفه من أبيه وأمه، ويضعه أمامه على الحصان ويطير به إلى بيته! .. وهذان الرجلان من أهل البيت المالك العباسي يصنعان هاتين الفاحشتين بامرأة وغلام من أهل مكة والمدينة ولا يجدان أدنى مقاومة! .. أما بغداد . فما أبشع ما يغشاها من فساد .. وإلى جوار هذا كله ينتفض فكر عظيم يعيشه فقهاء البلاد، ومثقفون شرفاء يعانون من غاشية الظلم والفحشاء! ..

والدولة تتسع، وقد خلف هارون الرشيد ملكا عظيما ضم أكثر بلاد الدنيا، حتى أصبح الرجل في أي مكان في العالم لا يعتبر مثقفا أو متحضرا، إلا إذا أتقن اللغة العربية..! ثم إن المظالم التي كابدا الناس فجرت الثورات، فقامت في أطراف الدولة ثورات تطالب بالمساواة في كل شيء وتطرفت حتى طالبت بشيوع النساء!! كما حدث في الأطراف الشرقية، وقامت ثورات أخرى تطالب باحترام تعاليم الإسلام كثورة أهل مصر!!

والخلافات الفقهية والفكرية تستعر حتى للتحول إلى عداء! وبعض العلويين ينهضون مطالبين بحقهم في الإمامة والخلافة!. ونفر من المتشددين يقطعون الطريق على أهل البدع، ويضربون لاعبي الشطرنج، أهل الطرب، ومن يلبس الحرير أو الذهب، ويريقون الخمور، ويحطمون آلات الغناء!! كان على المأمون أن يواجه هذا كله .. وأن يرفع مظالم أسلافه من الخلفاء، وبصفة خاصة مظالم أربعة سنوات حكمها أخوه الأمين، الذي ترك أمور الدولة لحاشية فاسدة، أغرقته في الملذات، حتى لقد حارب معركته الأخيرة التي قتل فيها وهو سكران يجرع الخمر من قدح ذهبي يسع أربعة أرطال..!

ورأى المأمون أن أخطر ما يهدد الدولة هو سلطان قادة البيت العباسي .. والصراع بين العلويين والعباسيين، والخلاف بين الفرق المختلفة. أما الثورات في الأطراف، فقد أنفذ إليها جيوشا يقمعها. ثم رأى أن يوفق بين أبناء العمومة من شيعه علويين وعباسيين، فنظر فيمن يوليه العهد ليكون خليفة من بعده، فلم يجد أحكم ولا أتقى من الإمام علي بن موسى وهو إمام الشيعة.

وأخذ يضرب رؤوس الفساد في البيت المالك العباسي ممن يخطفون الزوجات والغلمان ويستغلون قرابتهم من السلطان لابتزاز الأموال، أو لإرهاب الناس. وأمر بأن يغلي السواد من أعلام الدولة وهو شعار العباسيين، ليحل بدلا منه اللون الأخضر شعار العلويين. وحاول أن يرد بعض أموال الأغنياء إلى الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجات..

وثار عله العباسيون وأغنياء الدولة واجتمعوا في بغداد، وكان هو ما يزال بعيدا عنها، فخلعوه وأفتى عدد كبير من فقهاء السنة بأن المأمون خارج على الإسلام، وبايعوا بدلا منه إبراهيم بن المهدي وهو أحد كبار المغنين والمحنين. وبايعه الذين كانوا يكسرون آلات الغناء، ويضربون المغنين والمغنيات!! وزحف المأمون على بغداد، وحين أوشكت أن تستسلم، اختفى إبراهيم ابن المهدي، وتسلل إليه الذين خلعوه نم قبل، فبايعوه! ودخل المأمون بغداد، فخضع له الجميع! وعفا عنهم إلا قليلا منهم، قتلهم وصلبهم على أبواب بغداد مدينة السلام!

وكان ولي عهده علي بن موسى، قد مات من قبل فجأة في ظروف مشبوهة! .. وقيل إن أعداء الشيعة دسوا له السم في الطعام!. أما أحمد بن حنبل فقد ظل بعيدا عن كل هذا المضطرب، مشغول القلب بعلمه وفقه، لا يراه الناس إلا في حلقته يعلم الناس ويجيب على المسائل. وحين دخل المأمون بغداد واستقر بها، أسرع بترجمة كل ما لم يترجم بعد من الثقافات والحضارات الأخرى ورصد لذلك أموالا طائلة، واستعان بمثقفين مسيحيين ويهود. وإذ أمر بترجمة ما عند اليونان والمصريين، واتهموه بأنه يروج للوثنية، ففي ذلك التراث الحضاري كلام عن الآلهة المتعددين..!

من أجل ذلك توقف المأمون عن ترجمة المسرح المصري والأدب المصري القديم، فضاعت آثاره، إذ لم يجد من يترجمه من بعد. وتوقف عن ترجمة المسرح اليوناني والأدب اليوناني، ولكن هذا التراث وجد من الأوربيين من ينقله عبر الأجيال .. كان نفر من أهل السنة في بغداد يلعنون الفلسفة والمنطق، وكل ما لم يعرفه السلم من معارف وعلوم .. ولكن المأمون شجع هذه العلوم والمعارف، ومنح تلاميذ جابر بن حيان تلميذ الإمام الصادق كل ما يريدون من أموال ومعامل ليطوروا علم الكيمياء.

واعتبر بعض أهل السنة هذا العلم شعوذة وبدعة، وشجعهم على ذلك أن نفرا من المشتغلين بالكيمياء، أخذوا يعملون لتحويل بعض المعادن الخسيسة إلى الذهب النفيس..! ثم إن الصراع احتدم حول خلق القرآن بين المعتزلة وأهل السنة. وما كان الإمام أحمد بن حنبل على صلة بكل هذا المضطرب، واكتفى بأن يحض الناس على أن يهتموا من الدين بما فيه نفع للناس، وبما يقيم المجتمع الأمثل.

وجد المأمون أن الفتنة توشك أن تنفجر بين أهل السنة والمعتزلة، وكان هو نفسه يدين بآراء المعتزلة، وبصفة خاصة بطرائقهم الفلسفية وباستخدامهم المنطق في مجادلة الملحدين والزنادقة .. وكان راعيا لأصحاب الفلسفة، مؤمنا إيمانا عميقا بأن القرآن مخلوق، وبأن الجدل وسيلة صالحة للوصول إلى الحقيقة. واصطنع لنفسه أعوانا من الجانبين .. فجعل الرجل الأول في قصره من كبار أهل السنة، وهو يحيى بن أكثم، وقرب إليه في الوقت نفسه عددا من مفكري المعتزلة على رأسهم الجاحظ شيخ كتاب ذلك الزمان، وأحمد بن أبي دؤاد شيخ المعتزلة.

ولكن أحمد بن أبي دؤاد كان عنيفا على أهل السنة، يتهمهم بالكفر لأنهم ينكرون خلق القرآن. فإن لم يكن القرآن مخلوقا وكان قديما فهو إذن شريك الله تعالى في القدم .. وهذا شرك! أما المعتزلة فكانوا يرون أن الله كل شيء فالقرآن عن الأشياء التي خلقها الله تعالى .. وحاول أحمد بن دؤاد أن يقنع المأمون بقهر مخالفيه على اعتناق رأيه، ولكنه أبى ذلك فالمأمون يرى أن غلبة الحجة خير من غلبة القوة .. فالقوة تزول، أما الحجة فباقية ما بقى العقل.

وجمع المأمون أربعين من المفكرين والقضاة والعلماء والفقهاء فتناظروا عنه، غير أنهم لم ينتهوا إلى اتفاق! .. لم يشهد أحمد بن حنبل هذا الاجتماع، وإذ كان لا يغشى مجالس الحكام، ولا يقبل عطاءهم، مهما تكن شدة حاجته .. كان مشغولا عن كل هذا بما هو فيه من تدريس وعلم وجمع للأحاديث. ثم إن رأيه معروف لا يجادل فيه بعد .. فقد نهى عن الخوض فيما لم يخض فيه السلف والسلف لم، يخوضوا في خلق القرآن .. ولقد أعلن أكثر من مرة: "ما أفلح صاحب كلام".

بعد المناظرة خرج أهل السنة يهاجمون أصحاب الكلام في الحلقات، ويتهمون من يقولون بخلق القرآن بأنهم كفار .. أو بالقليل أصحاب بدعة!! ولم يستطع يحيى بن أكثم وهو من شيوخ أهل السنة أن يسكت أصحابه، فعرضوا بالمأمون نفسه! وشجع انشغال المأمون بالخلافات الداخلية جيوش الروم فهددت أطراف الدولة، فخرج المأمون بالخلافات الداخلية جيوش الروم فهددت أطراف الدولة، فخرج المأمون بجيشه مجاهدا، وأخذ معه الجاحظ وأحمد ابن دؤاد مستشاره الأول ..
وحين استقر الخليفة على رأس جيشه في طرطوس، داهمه المرض، فانتهز أحمد بن أبي دؤاد الفرصة وأنبأه أن أهل السنة في بغداد قد انتهزوا فرصة غيابه ومرضه ليشعلوا الفتنة ضده، فهم يكفرون من يقول إن القرآن مخلوق وعلى رأسهم الخليفة..!!

وإذن فالخليفة مطالب بأن يصنع شيئا لإنقاذ الدولة! وأمر الخليفة بأن يتولى أحمد بن دؤاد عنه أمر الذين يكفرون من يقول بخلق القرآن .. فأرسل إلى نائب الخليفة في بغداد بأن يجمع كل الفقهاء والعلماء والقضاء وأهل الرأي ليمتحنهم في خلق القرآن. فمن أنكر خلق القرآن فليعزل من منصبه، ولينذر من ليس في منصب منهم أنه لن يتولى منصبا أبداً، ولن تقبل له شهادة، وليأمر القضاة منهم بأن يمتحنوا الشهود في خلق القرآن، فمن خالف رأي الخليفة فلا تقبل شهادته .. وسمى له أسماء من يجب أن يمتحنهم وفيهم أحمد بن حنبل!

ورفضوا جميعا القول بخلق القرآن.

فأرسل الخليفة يطلب سبعة منهم، فأجابوه إلى ما أراد، فأعادهم إلى بغداد، طلب إعلان اعترافهم، وطلب إعادة سؤال الباقين في بغداد. وجاء نائب الخليفة بهؤلاء .. فمنهم من أبى الخوض في الموضوع كالإمام أحمد بن حنبل، ومنهم من قال إن الرأي ما يراه الخليفة، ومنهم من أنكر خلق القرآن، ومنهم من أقر بأن القرآن مخلوق .. وأرسل نائب الخليفة في بغداد إلى أحمد بن دؤاد بما حدث .. فأرسل أحمد ابن أبي دؤاد باسم المأمون رسالة طويلة، يسب فيها الجميع ويتهمهم بالرشوة والفساد، والسرقة، والنفاق والتظاهر وحب الرياسة .. لم يترك أحدا منهم إلا الإمام أحمد بن حنبل، فقد اتهمه بالجهل!.

ثم إنه أمر نائب الخليفة بأن يهددهم بالقتل، إذا لم يوافقوا على أن القرآن مخلوق .. فمن وافق منهم فليشهر أمره في الناس، ومن لم يوافق فليرسله في الأصفاد والأغلال إلى أمير المؤمنين!. وأمير المؤمنين إذ ذاك قد ثقل عليه المرض .. فقد اشتهى رطبا غسله في ماء جدول بارد، فأصابته حمى زادته مرضا على مرض، حتى كان يفقد الوعي فترات طويلة، ولم ينفعه طب!

قال أحمد بن حنبل حين سئل أول الأمر عن القرآن: "هو كلام الله". فسأله نائب الخليفة أمخلوق هو؟ قال: "هو كلام الله لا أزيد عليها". وسئل ما معنى "سميع بصير، أهو سميع من أذن يبصر عن عين؟" قال الإمام أحمد: "ما أدري، هو كما وصف نفسه" .. دعا نائب الخليفة كل العلماء والفقهاء والقضاة، وعرض عليهم رسالة أحمد بن دؤاد التي يهددهم فيها الخليفة بالقتل إن لم يوافقوا على أن القرآن مخلوق ..

وأحضرهم جميعا فإذا بهم كلهم يجيبون بأن القرآن مخلوق..! وكان الإمام أحمد رجلا لينا، فلما سمع العلماء يجيبون، انتفخت أوداجه، واحمرت عيناه، وذهب ذلك اللين الذي كان فيه ..

وتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: "سيصيبك بعدي بلاء شديد" فقال أبو ذر: "أفي الله يا رسول الله؟" قال: "نعم" "فاغرورقت عينا أبي ذر، وأدرك أنه من أهل الجنة!!

اغرورقت عينا الإمام أحمد .. ورفض الإذعان. وتابعه تلميذ له من جيرانه، وهو طالب علم شاب، رقيق الحال اسمه محمد بن نوح. وإذ رأى الحاضرون أن جميع الفقهاء والعلماء والقضاة في العراق قد وافقا أحمد بن أبي دؤاد على رأيه قال قائل منهم للإمام أحمد: "ألا ترى أن الباطل ظهر على الحق؟" قال الإمام أحمد: "كلا. إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة، وقلوبنا بعد لازمة للحق".

وضعت الأغلال والأصفاد على الإمام أحمد، وتلميذه الشاب محمد ابن نوح .. وحملا معا في دابة واحدة، وسيقا من بغداد إلى طرطوس!!. وانتشر الخبر في كل أنحاء العراق. وسخط الناس على المعاملة التي يلقاها الإمام أحمد حتى إذا كان في بعض الطريق قابله رجل فقال له: "يا هذا .. ما عليك أن تقتل هاهنا وتدخل الجنة!" .. ثم قابله أعرابي فقال له: "إن يقتلك الحق مت شهيدا، وإن عشت عشت حميدا" ..

تسامح الناس بما كانوا من أمر الإمام أحمد .. وتناقلت خبره الركبان إلى خارج العراق، فغضب له حتى الذين ليسوا على رأيه وما لقيه أحد إلا قوى قلبه وشد أزره. وشرد أحمد بن حنبل وهو يعاني فوق مركب خشن تحت الأغلال، وتساءل لماذا يمتحنه الخليفة المأمون بخلق القرآن؟! إنه يمتحن الذين يتولون مناصب في الدولة كالقضاة، والذين ينالون عطائه .. والإمام لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

لقد جمع العلماء للمناظرة في هذا الأمر وهو في بغداد منذ ست سنين .. فما باله الآن بعد أن ترك بغداد مجاهدا في سبيل الله يمتحن العلماء؟! .. وما باله لا يسير على سنة أبيه هارون الرشيد الذي أنذر زعيم المعتزلة في زمانه بالقتل، إن هو جاهر بأن القرآن مخلوق، وشغل الناس بهذه القالة؟! ..

ما بال المأمون يخالف نهج أبيه، ويخالف نفسه، ويعدل عن المناظرة إلى التهديد بالقتل؟!. ماذا حدث ليتغير المأمون؟! .. ولماذا يزج بالإمام أحمد في هذه الفتنة؟!.

الذي حدث أن أحمد بن أبي دؤاد زعيم المعتزلة، قد أصبح صاحب الرأي، وله الأمر؟! وأحمد بن دؤاد هذا لن يستريح حتى يرى كل الرؤوس كرأسه .. وبصفة خاصة رأس الإمام أحمد الذي يتعذب بعفته وشموخه المنافقون! كان ابن دؤاد يلهث لينال منصبا عند المأمون، وأحمد بن حنبل رفض منصب قاضي اليمن ليسير على قدميه من بغداد إلى صنعاء ويطلب الحديث ويعمل حمالا في الطريق، ونساجا للسرويل ونساخا بصنعاء ليوفر لنفسه النفقة!! ثم إن أحمد بن أبي دؤاد ينحني متقبلا لعطاء الخليفة، وأحمد بن حنبل يأباه!

وفي حلقات المسجد الجامع ببغداد يجتمع الآلاف حول الإمام في حلقته، أما ابن أبي دؤاد فلا يجرؤ أحمد على الجلوس في حلقته ولم يكتمل لحلقته قط عشرة من طلاب العلم وأصحاب المسائل!!. فإذلال الإمام أحمد هو عزاء ابن دؤاد عما يتردى فيه من هوان! ولكن الجاحظ وهو أعظم المفكرين والكتاب في عصره، يقيم مع الخليفة هناك .. فما بال الجاحظ لا يعظ الخليفة؟!.

من الحق أن الجاحظ سخر بعدد من العلماء المتزمتين من أجل السنة، وجعلهم هزأة، وأسماهم الحمقى من معلمي الصبية، ذلك أنهم اتهموه بالزندقة افتراء عليه، ولكن الجاحظ يعرف قدر الإمام أحمد بن حنبل، فما باله يترك المأمون يطلب مثول أحمد أمامه وهو في الأصفاد! كان المأمون نفسه قبل أن يمرض كان قد دخله شيء من بعض أهلس السنة، وكان الإمام أحمد إماما لأهل السنة، فمواقفهم وأقوالهم تحسب عليه على الرغم من شقائه بهم وبعده عنهم..!
فهذا النفر من علماء أهل السنة قد سكتوا عن المظالم من قبل، وشغبوا على أهل الغناء ولاعبي الشطرنج في بغداد، ثم بايعوا زعيم أهل الغناء إبراهيم المهدي أمير للمؤمنين بدلا من المأمون ثم أنهم أهدروا دم المأمون!! حتى إذا غلب المأمون، تسللوا إليه وهو على أبواب بغداد، ينافقون ويبايعونه، سارين في الليل أو سارين في النهار! ثم إنهم أنكروا عليه اهتمامه بالفلسفة والعلوم وحرضوا عليه العامة في بغداد، لأنهم يخالفونه في القول بخلق القرآن! وهاهم أولاء بعد أن هددهم يذعنون له، ويقول قائلهم: "ما تعلمنا العلم والفقه والدين إلا من أمير المؤمنين، ويهدرون في ذلك آراءهم وكرامتهم نفسها!!

ولكن الإمام أحمد بن حنبل طراز آخر من الرجال! وهو أشد الناس ضيقا بهذا النفر وإنكارا لهم وإزراء عليهم .. إلا أنه لا يتبع عورات الآخرين!! ولقد اعتزلهم حين عاتبوه، وواجههم على الرغم من لينه بأنهم قوم لا يحسنون إلا الغيبة والمراءاة والكذب والنفاق، وأن انصرافه عنهم إلى العلم هو العمل الصالح الذي يليق بالأتقياء! .. ألأن المأمون كان يعفهم شدد عليهم النكير، فاعترفوا، فأعلن على الناس عيوبهم؟!.!

لقد أذاع المأمون على الأمة ما صح عنده من مطاعن على هذا النفر من الفقهاء: الفساد، والرشوة والنفاق والتصاغر، والحقد والوشاية إلى مثالب أخرى غليظة ذكرها الطبري بالتفصيل فيما كتب عن أحداث سنة 218 هـ؟! .. ربما..!! ثم .. لماذا يقترف المأمون هذا البغي، وهو يجاهد في سبيل الله، وأحمد ابن حنبل يدعو المسلمين إلى نصرته؟! أيمكن أن تزدهر حضارة كل هذا الازدهار وتتألق فيها عقول المفكرين والعلماء وحرية الفكر على الرغم من ذلك تنتهك؟!
لعل ابن أبي دؤاد يريد أن يقنع الناس أن كل العلماء والفقهاء، يجب أن ينحنوا، بما أنه هو نفسه قد انحنى!! .. ولكن الإمام أحمد بن حنبل، كان يدرك أنه مسئول أمام الله عن الدفاع عما يؤمن بأنه حق، فإن مات في سبيله فهو شهيد. إنه لا يعرف أن المأمون لا يأخذ بالوشاية وهو يعتبر الأخذ بالوشاية أظلم من الواشي، فما خطبه معه؟ .. وهو يعرف أن المأمون لا يشتم أحدا، فكيف طعن في كل فقهاء السنة أبشع مطاعن!؟! إنه إذن لتأثير خارق على المأمون يمارسه بن أبي دؤاد! ..

وقد ظلت الحادثات طوال رحلة الضنى من بغداد إلى طرطوس، تلح على أحمد وتواجهه بأنه مسئول عن الحقيقة .. فإن تخلى عنها لحظة، انهار كل شيء في أعماق الناس!! وهكذا سار الإمام أحمد بروح شهيد!. سيناضل عما يؤمن به، لكيلا تسقط رايات الحقيقة، ولكي تظل الفضيلة شامخة أبدا!.

أما لمشفقون على الإمام أحمد، فقد نصحوه بأن يستجيب تقية .. ولكنه رأى أن التقية في موقف كهذا لا تجوز، أيقول غير ما يراه؟ ماذا يتقي؟! .. أهو الحكم بموته؟ إنه سيموت في يوم ما ولكن الناس؟ .. لعلهم سيعتنقون الرأي الخطأ، ويبقى هو مسئولا أمام الله عن تضليلهم!

بل لا تجوز التقية إلا في زمن غاشم يعلم الناس في الحقيقة، فلا يضللهم قول أو سكوت .. أما هذا الزمان فهو زمن يعدل فيه الخليفة، ويخرج فيه مجاهدا أعداء الإسلام .. والحقيقة في حاجة إلى رماة بواسل، وإلى شموع تحترق لتضئ الظلمات .. وإلا تخبط الجاهلون في عشوات الضلال.

لقد أذعن كل الفقهاء والعلماء إلا اثنين .. هو وتلميذه محمد بن نوح .. وبالأمس كان معهما اثنان آخران .. ولكن مس الحديد وثقل الأغلال، وإهانات الأوغاد، ثقلت عليهما .. فأجابا فيما دعيا إليه، فأطلق سراحهما. وسير الإمام أحمد ابن السادسة والخمسين، وتلميذه الشاب محمد ابن نوح في الأغلال والأصفاد، تحت الإهانة، وهما على بعير واحد إلى آخر الأرض..!

وسأله رجل في الطريق وقد رأى ضعف جسمه: "أإن عرضت على السيف تجيب؟" قال: "لا". فقال الرجل: "الله اكبر .. هذا هو الإمام أحمد". وألح الشعور بالمسئولية على الإمام أحمد .. وكان جلدا، ألف مشقات الأسفار، أما تلميذه الشاب فلم يحتمل المشقة، وأنهكه ما عاناه، فاعتل .. وما كان محمد بن نوح ليمتحن لولا أنه تلميذ الإمام أحمد وجاره .. كم من الناس يعذبون من أجلك يا أحمد؟!! ولكنه بلاء في الله يا أحمد!! بلاء في الله شديد!!

حتى إذا كانا في خان على الطريق، قابل أحد رواد حلقته أحد رواد حلقته في بغداد، وكان عزيزا لديه .. فقال له الإمام أحمد: "لقد تنيت" .. فقال الرجل: "ليس هذا عناء يا إمام .. أنت اليوم رأس الناس، والناس يقتدون بك". وأطرق الإمام أحمد وهو يتأوه .. أواه .. هنا العبرة يا بني .. أنا المسئول عن موقف الناس!!

وأضاف الرجل: "فوالله لئن أجبت بخلق القرآن، ليجيبن بإجابتك خلق من خلق الله". وهز الإمام أحمد رأسه وما تزال الدموع تبلل لحيته .. والرجل مستمر في قوله: "إن الخليفة إن لم يقتلك فأنت تموت، ولابد من الموت، فاتق الله ولا تجبهم بشيء." .. وارتفع صوت الإمام أحمد من خلال الدموع: "ما شاء الله ما شاء الله". ثم قال: "أعد علي ما قلت" فأعاد الرجل .. وهبت على الإمام أحمد نسمة من الرضاء بقضاء الله، جففت الدموع التي بللت لحيته فانطلق صوته الندي: "ما شاء الله ما شاء الله" .. وطابت نفسه بما كان قد صمم عليه .. ألا يجيب المأمون إلى ما يدعو إليه!!

واقترب الإمام وتلميذه محمد من طرطوس .. فإذا برجل يقبل إلى أحمد متهللا: "البشرى! لقد مات المأمون". كان أحمد قد دعها الله ألا يرى المأمون!! .. فلم يره قط! وأعيد أحمد وتلميذه محمد بن نوح إلى بغداد، وترفق رجال الشرطة بهما في الطريق، فما يدرون ما يكون شأن الإمام أحمد مع الخليفة الجديد؟! ربما أكرمه فباءوا هم بغضب الخليفة الجديد!.
وأحسنوا إلى الإمام أحمد وتلميذه محمد بن نوح .. ولكن محمد بن نوح الذي أضناه السفر تضعضع وخارت قواه، وعكف عليه أمامه يعالجه بلا جدوى، فقد نفد الزيت من المصباح، وحم القضاء .. وأمسك المناضل الشاب بيد أستاذ قائلا: "الله الله !! إنك لست مثلي. إنما أنت إمام يقتدي به، وقد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك فاتق الله واثبت لأمر الله".
وسقط ميتا!!!

وما وعظ تلميذ أستاذ كما صنع محمد بن نوح مع الإمام أحمد بن حنبل..! ولكنه مات شهيدا دفاعا عما يؤمن به .. وبكاه الإمام أحمد أحر بكاء وصلى عليه .. وقال عنه: "ما رأيت أحدا على حداثة سنه وقلة علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح". عهد المأمون لأخيه المعتصم ـ وهو ابن جارية تركية ـ فتولى الأمر وكان المعتصم قوي الجسم حتى ليحمل حديدا يزن ألف رطل ويسير به خطوات! وكان على هذه القوة والبسطة في الجسم قليل الحظ من الثقافة .. حتى لقد أقصاه أبوه هارون الرشيد!

ولكن المأمون رأى أن جهاد أعداء الدولة يحتاج إلى رجل سيف في قوة المعتصم وحزمه وشدته، أوصاه بالإبقاء على ابن أبي دؤاد فترك له المعتصم شئون الدولة فأدارها الوزير على هواه .. أما المعتصم فوهب نفسه للحرب .. وكان أحمد بن أبي دؤاد حسن التأني حلو الحديث بارع النفاق، وكان على دراية بشيء من أخبار الأولين، وبأطراف من الثقافة لا يعرفها المعتصم، فاستطاع أن يستولي على عقل الخليفة، واستصدر أمرا بحبس أحمد بن حنبل في السجن الكبير ببغداد، وانشغل الخليفة المعتصم بتوطيد أركان الدولة فولى الأتراك مع أخواله.

وفي أول حكمه توالت أحداث غريبة ومبالغة: مات الإمام محمد الجواد فجأة كما ذهب من قبله إمام الشيعة أبوه الإمام علي بن موسى بن جعفر الصادق في ظروف مريبة .. ثم اتهم العباس بن المأمون بالتآمر على عمه المعتصم فقتل!
وفي السجن ترك الإمام أحمد شهورا تحت الأصفاد شهورا طوالا، ودسوا إليه خلالها عليه من يزينون له الاعتراف بخلق القرآن! .. وعادوا يذكرونه بجواز أن يقول المؤمن غير ما يؤمن به أو يسكت على ما ينكره من باب التقية فقال لهم: "إذا سكت العالم تقية والجاهل يجهل فمتى يظهر الحق؟. إن من كان قبلكم كان أحدهم ينشر بالمنشار ثم لا يصده ذلك عن دينه". دسوا عليه أكثر الناس تأثيرا عليه وأقرب الناس إليه: عمه!! ولكن بلا جدوى!

ثم عادوا يخوفونه بالتعذيب والضرب بالسياط .. وأنس إلى جار له بالسجن فقال له: ما أبالي بالحبس وما هو ومنزلي إلا واحد، ولا قتلا بالسيف، وإنما أخاف فتنة السوط وأخاف ألا أصبر". فقال له جاره السجين: "لا عليك. فما هو إلا سوطان ثم لا تدري أين يقع الباقي". ومرت الشهور بعد الشهور والإمام أحمد في حبسه بين الترغيب والترهيب .. واحبه من في السجن، فأحاطوا به يلقون عليه المسائل فيجيب ويعلمهم مما علم رشدا .. وأكبره الجميع في السجن حتى السجانون.
أما خارج السجن، فقد كانت بغداد تموج بالسخط، على من سجنوا الإمام أحمد!. وتصاعدت نفثات التلاميذ والاتباع ورواد الحلقة، استنكارا لما حدث لإمامهم!. أما زملاؤه من العلماء والفقهاء الذين أجابوا المأمون لما أراد، فقد أسرعوا إلى مصانعة المعتصم، وكانوا يتمنون في أعماقهم أن يسقط الإمام أحمد كما سقطوا..! فلماذا يظل هو وحده دونهم نظيف الصفحات نقي السيرة مرتفع الهامة؟! وإن بعضهم على الرغم من كل شيء ليعاني من تأنيب الضمير .. وأرسل إليه أحد المعجبين به وهو شيخ في نحو التسعين ومن يقول له: "اثبت فقد حدثنا الليث بن سعد عن ..

عن أبي هريرة: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أرادكم على معصية الله فلا تطيعوه"

وانشرحت نفس الإمام أحمد، فهاهو ذا شيخ في التسعين يرسل إليه يشد أزره لا يبالي بحديث شريف لم يعرفه من قبل! فقام في السجن يؤذن بالصلاة وعرف ابن أبي دؤاد أن خصمه قد فتن كل من في السجن: المسجونين وحتى السجانين!! فأمر بنقله إلى سجن خاص في قبو بدار والي بغداد، ليكون وحده. وضاعفوا له القيود والأغلال وأقاموا عليه سجانين من شذاذ الخلق، من مماليك أتراك، فيهم الغلظة والغباء، والجهل باللغة العربية فلا يفهمون ما يريد إن هو طلب منهم شيئا: ماء أو نحوه!

وأرسلوا إليه من الفقهاء من يناظره، ولكنه لم يزد على ما قاله من قبل، وظل يرفض القول بخلق القرآن. ثم حملوه إلى دار الخلافة وهو يرسف في أغلال وقيود وسلاسل يكاد يسقط من تحتها..! .. فقد كانوا كلما مر عليه يوم، زادوا عليه في ثقل الحديد! وكان الوزير وقاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد قد أرسل إلى كل ولاة الأمصار باسم المعتصم يأمرهم أن يمتحنوا العلماء والقضاة والفقهاء في خلق القرآن، فمن أنكر منهم، حمل في الأصفاد مهانا إلى دار الخلافة ببغداد ..
ومثل أحمد أمام الخليفة وحوله حشد من العلماء والفقهاء المنافقين وابن أبي دؤاد .. وإذ بالإمام أحمد يرى في الأصفاد صديقا له من مصر، درس معه على الشافعي في مكة وبغداد .. وهو الآن فقيه عالم تقي مسموع الكلمة في مصر .. وقد سحبوه في سلاسل الحديث لأنه رفض القول بخلق القرآن! .. وكان أحمد منهكا مما عاناه، ولكنه حين شاهد صديقه الفقيه المصري تهلل قائلا: "أي شيء تحفظ عن أستاذنا الشافعي في المسح على الحفين عند الوضوء؟!" وانفجر ابن أبي دؤاد محنقا: "انظروا رجلا هو ذا يقدم لضرب العنق يناظر في الفقه؟!".

بدأ الخليفة يحاكم أحمد بن حنبل.

يحكي الإمام أحمد ما جرى في هذه المحاكمة: (قال المعتصم لأحمد بن أبي دؤاد: "أدنه" فلم يزل يدنيني حتى قربت منه. ثم قال: "أجلس". وقد أثقلتني الأقياد. فمكثت قليلا. ثم قلت: "تأذن لي في الكلام؟" فقال: "تكلم". فقلت: "إلام دعا الله ورسوله؟." قال المعتصم: "شهادة ألا إله إلا الله." فقلت: "فأنا أشهد أن لا إله إلا الله". ثم روى الإمام أحمد أن المعتصم قال له أنه لو لم يجده في يد من قبله لما عرض له. ثم سأل أحدا ممن كانوا حوله: "ألم آمرك برفع المحنة؟!". وأمر الفقهاء الموجودين فناظروا الإمام أحمد في خلق القرآن.

قالوا له: "ما تقول في القرآن" ما تقول في علم الله عز وجل فسكت، فقال بعضهم: "أليس قد قال الله عز وجل

{ٱللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}( الرعد ،الآية : 16 )

والقرآن أليس هو بشيء؟" فرد الإمام أحمد: "قال تعالى:

أفدمرت إلا ما أراد الله عز وجل؟ والله تعالى لم يسم كلامه في القرآن شيئا. يقول الله تعالى:

{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} (الأحقاف ، الآية : 24 )

فالقول ليس الشيء ولكن الشيء هو الذي يقول له الله. ويقول تعالى:

{ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً}(يس ، الآية : 82 )

فالشيء ليس أمره وإنما هو ما يأمره .. وقال له بعضهم في الأثر "إن الله خلق الذكر أي القرآن". قال هذا خطأ. حدثنا غير واحد إن الله كتب (لا خلق) الذكر.

واحتجوا عليه بما رواه ابن مسعود: "ما خلق الله عز وجل من جنة ولا نار ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي" فقال أحمد: "إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض ولم يقع على القرآن. وكان أحمد بن أبي دؤاد أقنع المعتصم نم قبل، أن من رفض القول بخلق القرآن لا يحق له أن يجلس للناس، ليحدثهم أو ليفتيهم، في جامع أو في داره أو في أي مكان، بل هو مخالف للإسلام، يجعل القرآن قديما كالله تعالى، فهو مشرك يحل دمه!! وما عاد في أهل السنة بالعراق من يرفض الاعتراف بخلق القرآن إلا إمامهم أحمد بن حنبل وهو يزنهم جميعا!!

وكان الخليفة المعتصم لقلة حظه من العلم لا يريد أن يخوض في المسألة كلها، فكان يقول كلما اتهموا الإمام أحمد بن حنبل بالكفر: "ناظروه، ناظروه". فوثب أحمد بن أبي دؤاد مغيظا: "يا أمير المؤمنين هو والله ضال مضل مبتدع." وتتابع الفقهاء الحاضرون يشتمون الإمام أحمد بن حنبل فلم يعبأ الخليفة بهم وقال لهم: "ناظروه".

وكانوا كلهم قد ناظروه .. فاقبل ابن أبي دؤاد يناظره.

فلم يلتفت إليه الإمام أحمد.

فسأله الخليفة: "ألا تكلمه؟" فقال أحمد: "لا أعرفه من أهل العلم فأناظره .." ثم استطرد: "يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب الله عز وجل". فاقبل الخليفة يغري الإمام أحمد ويقول له: "والله إني عليه لشفيق. "ثم قال للحاضرين" والله إن أجابني لأطلقن عنه يدي ولأركبن إليه بجندي.

فلم يزد جواب أحمد على أن قال: "أعطوني شيئا من كتاب الله عز وجل" .. وقال الخليفة لأحمد: "ما أعرفك" فقال أحد الفقهاء الحاضرين وقد أنبه ضميره: "يا أمير المؤمنين. أعرفه منذ ثلاثين سنة يرى طاعتكم والحج والجهاد معكم." فقال المعتصم: "والله إنه لعالم وإنه لعالم وإنه لفقيه. وما يسوءني أن يكون مثله معي يرد عني أهل الشرك.
ثم قال: "يا أحمد أجبني إلى شيء فيه أدني فرج لك، حتى أطلق عنك يدي" فقال أحمد: "أعطوني شيئا من كتاب الله عز وجل." ولم يزد على ذلك!

وقام الخليفة مهموما، وأعيد أحمد إلى السجن وأرسلوا إليه من يناظره في السجن وينذره: "أن أمير المؤمنين قد حلف أن يضربك وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس. ويقول إن أجابني أحمد أطلقت عنه يدي."
فلم يجبه أحمد..!

وفي اليوم التالي أعيد أحمد إلى مجلس الخليفة المعتصم، وكان الوقت رمضان .. وأحمد قائم ليله صائم نهاره .. وقد أوشك الخليفة أن يطلقه لتهدأ عنه الثورة التي أوشكت أن تنفجر في بغداد غضبا للإمام أحمد.
فقال ابن أبي دؤاد: "يا أمير المؤمنين أن العامة تصدقه .. والعامة تقول أن أحمد بن حنبل قد دعا على المأمون فمات، إن العامة وهم حشو الأمة يصدقونه ويتبعونه بالحق والباطل. فإن تركته شجعت عليك العامة وخالفت مذهب المأمون، فيقول العامة أن أحمد غلب الخليفتين".

واستفز هذا الكلام المعتصم فقال: "ناظروه لآخر مرة". وناظروا أحمد في خلق القرآن وفي رؤية الله تعالى فاحتج عليهم بحديث صحيح: "أما أنكم سترون الله ربكم كما ترون هذا البدر "(وكان الرسول مع صحبه في ليلة البدر)! وشك ابن أبي دؤاد في صحة الحديث، فأكد الإمام أحمد صحة الحديث واستشهد بفقيه فقير، مشهور بالأمانة والعفة، يحسن رواية الأحاديث .. ولكنه كان فقيرا جهد الفقر لا يملك قوت يومه، وقد اعتزل الناس، واختفى طوال أيام الامتحان بخلق القرآن، فتركوه. وأسرع إليه بن أبي دؤاد وقد عرف من الجواسيس أين يختفي وسأله عن حاله، فلم يجد معه درهما .. وسأله عن الحديث الذي رواه أحمد في المناظرة أمام المعتصم .. فقال الرجل أنه حديث صحيح .. وألح عليه أن يكذب الحديث وقال أن مجلس الخليفة منعقد وهو ينتظر الجواب، والخليفة في حاجة إلى من يكذب هذا الحديث .. ثم أضاف .. هذه حاجة الدهر .. وأعطاه عشرة آلاف درهم، ومازال يلح حتى قال الرجل: "في الإسناد من لا يعول عليه"!
وأسرع به ابن أبي دؤاد يروي ما سمعه على الخليفة في المجلس!! ودمعت عينا أحمد أسفا على المحدث الفقير الذي انهار أمام الحاجة!! وأرجعوا أحمد إلى السجن .. ليعودوا به في اليوم التالي إلى دار الخلافة، فيمروا به على قاعات عديدة حشد فيها سجانون وسيافون غلاظ .. عسى أن يرهبه المنظر .. ويغريه الخليفة الآخر مرة، فيأبى أن يقر بخلق القرآن فيصرخ فيه الخليفة: "عليك اللعن خذوه واسجنوه".

فأخذوا الإمام فعلقوه، وظلوا يضربونه ويقولون له: "أجب" فلا يجب. صبرا يا أحمد .. إنه بلاء في الله شديد.!

واشتد به الوجع واللظى وهو صائم .. وأغمى عليه .. حتى إذا أفاق جاءوه بماء ليشرب. فقال: "لا أفطر".

وطرحوه على وجهه وداسوه بالنعال .. حتى أغمى عليه .. ورأوا دماءه تسيل فملئوا منه رعبا! وعندما أفاق أحمد، أخذ ينظر إليهم بلا اكتراث، ولكنها نظرات يخالجها الازدراء!! ويقول أحد الذين شاهدوا تعذيبه: "ما كنا في عينه إلا كأمثال الذباب". ومن خارج دار الخلافة، اجتمع الآلاف من محبيه وتلاميذه، حتى الذين لا يرون رأيه كانوا ينكرون في صراخ غاضب ما يحدث له. وتعالى هدير الاحتجاج والاستنكار .. وأغراه أحد الحاضرين أن يعترف لينجو من العذاب ويخرج إلى محبيه فقال: اقتل نفسي ولا اقتل هؤلاء جميعا".

ودخل أحد الفقهاء داره على بناته، فوجدهن يبكين ويطالبنه أن يذهب إلى المعتصم مستشفعا للإفراج عن أحمد بن حنبل .. وقال البنات لأبيهن: "أدركوا ابن حنبل قبل أن يضعف من التعذيب. فلأن يرسل إلينا نعي أبينا أهون علينا من أن نسمع أن أحمد بن حنبل قد أذعن!!". ووقف أحد الفقهاء بباب المعتصم يصرخ "أيضرب سيدنا؟! أيضرب سيدنا!؟ لا صبر لنا"وانفجرت الهتافات تلعن ابن أبي دؤاد والمعتصم نفسه! وأوشكت الثورة أن تشغل في بغداد، وكان المعتصم يعد العدة لجهاد الروم .. فلعن الجميع، وأمر أن يعفوه من كل هذا ليفرغ هو للحرب.

وأطلق سراح الإمام أحمد ..

وأعيد إلى بيته يعالج جراحه، ولزم داره مريضا منهكا .. وقيل له: سيعذب الله المعتصم فيك لأنه ضربك وأنت ساجد .. فذكر لهم قول الله تعالى: "وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله". وعندما علم أن المعتصم خرج ليحارب الروم فانتصر وفتح عمورية، فرح الإمام أحمد وقال!! عفا الله عنه بما جاهد في سبيله".

وقد عوتب الجاحظ عن موقفه من محنة أحمد فقال: "لو كان كل كشف هتكا، وكل امتحان تجسسا، لكان القاضي أهتك الناس لستر، وأشد الناس تتبعا لعورة". وكان تعليق أحمد على قوله الجاحظ: "عفا الله عنه". لقد ظل أحمد في سجن المعتصم نحو عامين ونصف عام، يضرب بالسياط ويعذب بالسيف، ويوطأ بالأقدام عندما يسجد في الصلاة .. ويغرونه خلال هذا التعذيب بكل طيبات الحياة إن هو ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تابع الامام احمد بن حنبل
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
amin :: المستر :: منوعات :: الركن الدينى-
انتقل الى: